فخر الدين الرازي

543

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثالثة : احتج بعضهم على أن الامتناع من إيتاء الزكاة يوجب الكفر ، فقال إنه تعالى لما ذكر هذه الصفة ذكر قبلها ما يوجب الكفر ، وهو قوله وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ وذكر أيضا بعدها ما يوجب الكفر ، وهو قوله وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ فلو لم يكن عدم إيتاء الزكاة كفرا لكان ذكره فيما بين الصفتين الموجبتين للكفر قبيحا ، لأن الكلام إنما يكون فصيحا إذا كانت المناسبة مرعية بين أجزائه ، ثم أكدوا ذلك بأن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه حكم بكفر مانعي الزكاة والجواب : لما ثبت بالدليل أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان وهما حاصلان عند عدم إيتاء الزكاة ، فلم يلزم حصول الكفر بسبب عدم إيتاء الزكاة ، واللّه أعلم . ثم إنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أردفه بوعد المؤمنين ، فقال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي غير مقطوع ، من قولك مننت الحبل ، أي قطعته ، ومنه قولهم قد منه السفر ، أي قطعه ، وقيل لا يمن عليهم ، لأنه تعالى لما سماه أجرا ، فإذا الأجر لا يوجب المنّة ، وقيل نزلت في المرضى والزمنى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأحسن ما كانوا يعملون . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 9 إلى 12 ] قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 9 ) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ( 10 ) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 12 ) [ في قوله تعالى قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ] اعلم أنه تعالى لما أمر محمدا صلى اللّه عليه وسلّم في الآية الأولى أن يقول إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [ الكهف : 110 ] فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [ فصلت : 6 ] أردفه بما يدل على أنه لا يجوز إثبات الشركة بينه تعالى وبين هذه الأصنام في الإلهية والمعبودية ، وذلك بأن بيّن كمال قدرته وحكمته في خلق السماوات والأرض في مدة قليلة ، فمن هذا صفته كيف يجوز جعل الأصنام الخسيسة شركاء له في الإلهية والمعبودية ؟ فهذا تقرير النظم ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير : أينكم لتكفرون بهمزة وياء بعدها خفيفة ساكنة بلا مد ، وأما نافع في رواية قالون وأبوا عمرو فعلى هذه الصورة ، إلا أنهما يمدان ، والباقون همزتين بلا مد . المسألة الثانية : قوله تعالى : أَ إِنَّكُمْ استفهام بمعنى الإنكار ، وقد ذكر عنهم شيئين منكرين أحدهما : الكفر باللّه . وهو قوله لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وثانيهما : إثبات الشركاء والأنداد له ، ويجب أن يكون الكفر المذكور أولا مغايرا لإثبات الأنداد له ، ضرورة أن عطف أحدهما على لآخر يوجب التغاير ، والأظهر أن المراد من كفرهم وجوه الأول : قولهم إن اللّه تعالى لا يقدر على حشر الموتى ، فلما نازعوا في ثبوت هذه القدرة فقد كفروا باللّه الثاني : أنهم كانوا ينازعون في صحة التكليف ، وفي بعثة الأنبياء ، وكل ذلك قدح في الصفات المعتبرة في الإلهية ، وهو كفر باللّه الثالث : أنهم كانوا يضيفون إليه الأولاد ، وذلك أيضا قدح